العيني
168
عمدة القاري
ابن الجوزي : الصواب حذف على . قوله : ( فأصبح بذي الحليفة ) أي : وصل إليها نهارا فبات بها ، كما سيأتي صريحا في الباب الذي بعده من حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( بدنته ) قال الجوهري هي : ناقة أو بقرة تنحر بمكة ، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها ، والجمع بدن بالضم ، وقال الأزهري : تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم ، وقال النووي : هي البعير ذكرا كان أو أنثى بشرط أن يكون في سن الأضحية ، وهي التي استكملت خمس سنين . قوله : ( فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته ) ، وفي ( صحيح مسلم ) عنه أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر بذي الحليفة ، ثم دعى بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها بنعلين ، ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج ) . وقال ابن حزم : فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة ، وأنس يذكر أنه صلاَّها بالمدينة ، وكلا الطريقين في غاية الصحة ، وأنس ، رضي الله تعالى عنه ، أثبت في هذا المكان لأنه ذكر أنه حضر ذلك بقوله : صلى الظهر بالمدينة ، ثم إن ابن عباس لم يذكر حضورا فيها أنها كانت يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة ، إنما عنى به اليوم الثاني ، فلا تعارض . وعند النسائي : عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء ، وأهلَّ بالحج والعمرة ) . ولا تعارض ، فإن البيداء وذا الحليفة متصلتان بعضهما مع بعض ، فصلى الظهر في آخر ذي الحليفة وهو أول البيداء . قوله : ( وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ) ، ذلك إشارة إلى المذكور من ركوبه صلى الله عليه وسلم راحلته واستوائه على البيداء وإهلاله وتقليده بدنته لخمس بقين من ذي القعدة ، وهو بكسر القاف وفتحها ، وكذا في ذي الحجة بكسر الحاء وفتحها ، والفتح هنا أشهر . وقال صاحب ( التلويح ) قوله : وذلك لخمس بقين من ذي القعدة يحتمل أنه أراد الخروج ، ويحتمل الإهلال ، فأردنا أن نعرف أيهما أراد ، فوجدنا عائشة روت في صحيح مسلم : ( خرجنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لخمس بقين من ذي القعدة ) . وفي الإكليل من حديث الواقدي عن ابن أبي سبرة عن سعيد بن محمد بن جبير عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم أنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر ، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين ) وزعم ابن حزم أنه : ( خرح صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارا بعد أن تغدى وصلى الظهر بالمدينة ، وصلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة ، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة ، وطاف على نسائه ثم اغتسل ثم صلى بها الصبح ، ثم طيبته عائشة ثم أحرم ولم يغسل الطيب ، وأهلَّ حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقرآن : العمرة والحج معا ، وذلك قبل الظهر بيسير ، ثم لبَّى ثم نهض وصلى الظهر بالبيداء ، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة . قال : فإن قلت : كيف قال : إنه خرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة ، وقد ذكر مسلم من حديث عمرة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها : لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلاَّ الحج ؟ قلت : قد ذكر مسلم أيضا من طريق عروة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، خرجنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، موافين لهلال ذي الحجة ، فلما اضطربت الرواية عنها رجعنا إلى من لم تضطرب الرواية عنه في ذلك ، وهما : عمر بن الخطاب وابن عباس ، فوجدنا ابن عباس ذكر أن اندفاع النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة ، وذكر عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أن يوم عرفة كان يوم الجمعة في ذلك العام ، فوجب أن استهلال ذي الحجة كان ليلة يوم الخميس ، وأن آخر يوم من ذي القعدة كان يوم الأربعاء ، فصح أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي الحجة ، ويزيده وضوحا حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه : صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، فلو كان خروجه لخمس بقين لذي القعدة لكان بلا شك يوم الجمعة ، والجمعة لا تصلى أربعا ، فصح أن ذلك كان يوم الخميس . وعلمنا أن معنى قول عائشة : لخمس بقين من ذي القعدة ، إنما عنت اندفاعه صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة ، فلم تعد المرحلة القريبة ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلاَّ يوم الخميس ، فبطل خروجه يوم الجمعة ، وبطل أن يكون يوم السبت ، لأنه كان يكون حينئذ خارجا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة ، وصح أن خروجه كان لست بقين ، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس بقين من ذي القعدة ، وتألفت الروايات . قوله : ( فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة ) قال الواقدي : حدثنا أفلح بن حميد عن أبيه عن ابن عمر أن هلال ذي الحجة كان ليلة الخميس ، اليوم الثامن من يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة ، ونزل بذي طوى ، فبات